بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 070 - الركع السجود.


2016-09-11

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأتم الصلاة وخير التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نتواصل في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مع الدكتور محمد راتب النابلسي، وباسمكم نرحب بفضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله دكتور.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 يقول الله عز وجل:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الفتح: 29]

 دكتور الركع السجود هم مجال حديثنا في هذه الحلقة، عبادة الركوع والسجود وهي جزء من عبادة الصلاة، ما ترى في تعريف الركوع والسجود فضيلتكم؟

 

عبادة الركوع و السجود :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
 بادئ ذي بدء؛ لا خير في دين لا صلاة فيه، أركان الإسلام الصلاة، الصيام يسقط عن المريض والمسافر، والحج يسقط عن الفقير، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة تؤدى مرة واحدة، الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة، لذلك:

(( الصلاة عماد الدين ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

 لا خير في دين لا صلاة فيه
الخيمة كما تعلمون من القماش، في وسطها عامود، لولا هذا العامود لما كانت الخيمة، النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بأنها عماد الدين:

(( الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

 ما هي الصلاة؟ هذا العبد الفقير، الضعيف، الجاهل، الحادث، ولد ولم يكن شيئاً مذكوراً، ثم سيموت هذا العبد الفقير، الضعيف، الجاهل، الحادث، يتصل بالإله المطلق، يتصل بالقوي، يتصل بالغني، يتصل بالعليم، يتصل بالرحيم، فالحقيقة الدقيقة أن هذا المصلي يشتق من قوة الله قوة، ومن رحمة الله رحمة، ومن حكمة الله حكمة، فالاتصال بالله عز وجل له أبعاد كبيرة جداً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

 أنت إذا صليت أديت واجب العبودية تجاه الله عز وجل، لكن الله إذا قال:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[سورة البقرة:152]

 إذا صليت ذكرت الله، الصلاة ذكر:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

 لكن الله إذا ذكرك ما سيكون؟ منحك الحكمة، منحك الأمن، منحك الرقي، منحك السعادة، منحك التوفيق..

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 الآثار المترتبة على الاتصال بالله الحقيقي لا حدود لها، تحتار بالمؤمن من حكمته، من علمه، من وقاره، من ذكائه، من توفيقه، من بعد نظره، من حسن تصرفه، هذا المؤمن، إذا لم يكن هناك فرق نوعي بين المؤمن وغير المؤمن لا معنى للدين أصلاً، أنت تقول: ذهب عيار أربعة وعشرين، وهناك ذهب عيار واحد وعشرين، و هناك ثمانية عشر، وستة عشر، كله ذهب، التفاوت بين هذه الأصناف بالدرجة، أما الذهب غير التنك، هنا فرق بالطبيعة، هناك فرق بالطبيعة بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن قضية كبيرة جداً، قضية مخلوق اتصل بالمطلق، فاشتق من علمه، من حكمته، من رحمته، من توفيقه، من رؤيته الصحيحة، من توازنه، فحياة المؤمن تتميز بالإيمان الحقيقي، أما هذا الذي نراه أحياناً من تمسك بشكليات الدين، وعدم الغوص في أعماقه، وعدم التمثل فيه، فهذا ليس الإسلام الذي أراده الله، والدليل وعود الله بالنصر مع هؤلاء غير محققة معطلة.
المذيع:
 لماذا كانت الصلاة بهذا الشكل؟ أي الفكرة من الصلاة أن يتجه العبد إلى الخالق عز وجل، لماذا كانت على شكل ركعات تقوم بها وتسجد والصلاة الإبراهيمية والتشهد؟

 

الصلاة نور يكشف للإنسان طريقه :

الدكتور راتب :
 يبدو أن الحركات لها أثر نفسي لو اعتبرنا الصلاة اتصال بالله، تصور هذا الشيء لا يلمس باليد، أنت تجلس مع أسرتك على مقعد وثير، أمامك الطعام والشراب، أمامك المشروبات الطيبة، نزعت نفسك من فراشك فجراً وتوضأت، وقفت وصليت، قرأت الفاتحة، ركعت وسجدت، الحركات والسكنات والقراءات اتصال بالله من نوع آخر، هذا الاتصال حقق الصلة بالله، عندنا حركات المصلي، وعندنا جوهر الصلاة، الحقيقة لو أن هناك بيتاً فيه مكيف، وفيه غرفة نوم وثيرة، وفيه ميكروويف، وثلاجة، وغسالة، جميع الأدوات الكهربائية في البيت، لكن لا يوجد كهرباء، فكل هذه الأدوات معطلة لا قيمة لها، ولا تؤدي أي وظيفة، أما إذا جاءت الكهرباء فقد أصبح لكل آلة معنى، أنا أقول: مؤمن متصل بالله، زواجه له معنى، زواجه رسالة، عمله رسالة، يختار حرفة، راقية، يخدم بها المسلمين الصلاة اتصال بالله عز وجل
كان السلف الصالح عندما يفتح المحل يقول: نويت خدمة المسلمين وهو في محل تجاري، فإذا عندك معمل لمادة غذائية، وضعت المواد الصحيحة فيها، لا يوجد مواد غير صحيحة، لا يوجد مواد منته مفعولها كلياً، هذا لا يكتشفه أحد، قد تشتري صفقة تجارية بربع الثمن لأن مفعولها انتهى، تضعها في معملك الغذائي، المادة مؤذية، وأنا أقول أحياناً: المادة التي انتهى مفعولها ليتها لا تنفع في حالات كثيرة تؤذي، تركيبها الكيماوي يتغير تصبح مادة سامة، أنت عندما تصلي استنرت بنور الله، ببساطة ما بعدها بساطة إنسان يمشي في طريق فيه حفر وأكمات، فيه وحوش، ولا يوجد معه ضوء، سوف يقع بالخطأ قطعاً، أحد الأخطاء ينزل في حفرة، يصطدم بصخرة، إذا معه ضوء هو الصلاة يكشف طريقه، لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 119 ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾

[ سورة الأنفال: 29]

 يقذف في قلبكم النور..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 فالصلاة نور، أوضح مثل للصلاة تمشي في غابة ليلاً يوجد مفاجآت، وحفر، و أكمات، وصخور، وأفاع، ووحوش، الصلاة نور يضيء لك الطريق، لذلك الفرق بين مؤمن وغير مؤمن فرق كبير جداً.
المذيع:
 ما الذي يعنيه الركوع حينما يركع الإنسان لخالقه؟

 

الركوع و السجود خضوع لله و طلب العون منه :

الدكتور راتب :
 مثلاً تقول لله عز وجل في صلاتك:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[سورة الفاتحة: 6-7]

 الركوع والسجود خضوع لله عز وجل
أنعمت عليهم، الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، والمؤمنون، غير المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا، والضالون ما عرفوا وانحرفوا، فئة عرفت فانحرفت، فئة لم تعرف وانحرفت، تماماً كمسلم غير مطبق للدين إطلاقاً، إنسان آخر ملحد، كلاهما غير مطبق لكن واحد عرف والثاني لم يعرف وانحرف...

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[سورة الفاتحة:7]

 الآن الله أكبر ركوع، ماذا يعني الركوع؟ سمعاً يا رب وطاعة، الركوع خضوع للأمر الإلهي الذي قرأته بعد الفاتحة، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 هذا هو الأمر، الركوع سمعاً وطاعة يا رب، ألا أنبئكم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟ العلماء قالوا: لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به. هذا الركوع خضوع، يا رب أنا خاضع لهذا الأمر، هو محض حكمة، محض فضل، محض رحمة، محض توفيق، لكن يقول سيدنا يوسف، قال تعالى:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

 قد تكون الشهوة قوية جداً فأنت بحاجة لا إلى إعلان الخضوع لله، أنت بحاجة ماسة إلى طلب العون من الله، كأن الركوع والسجود مغطى بكلمتين قرآنيتين:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة: 5 ]

 إياك نعبد؛ الركوع، إياك نستعين؛ السجود، أنت خاضع انطلاقاً من قناعتك أن هذا كلام الله، وهو الخبير، وهو الرحيم، وإليه المصير، السجود يا رب أنا ضعيف، قوني على طاعتك.
المذيع:
 ألا يعد السجود فيه خنوع أكثر من الركوع؟
الدكتور راتب :
 الركوع خضوع فكري، أي صار عندك قناعة أن هذا كلام خالق السماوات والأرض، هذا كلام الحكيم، هذا كلام الرحيم، هذا كلام القوي، يا رب أنا ضعيف، أنا عندي شهوات أعنِّ، والآية دقيقة جداً، سيدنا يوسف، قال تعالى:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

 أنا أقول: رُبّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً. الذي يعتد بنفسه، الصحابة الكرام قمم البشر في بدر افتقروا فانتصروا، هم هم في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، ملخص الملخص تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك، بكل شؤون حياتنا.
المذيع:
 الركوع هو خضوع لله.
الدكتور راتب :
 خضوع لمنهج الله.
المذيع:
 والسجود.
الدكتور راتب :
 طلب العون على تطبيق هذا.
المذيع:
 ما الذي يقوله المسلم في ركوعه وسجوده؟ وهل السجود هو فقط لتسبيح ربنا الأعلى أم هو كما تفضلت لطلب الحاجة، فهو باب للدعاء؟

 

الخضوع للعظيم و للأعلى الذي يملك كل مقومات الطاعة :

الدكتور راتب :
 سبحان ربي الأعلى، في الركوع: سبحان ربي العظيم.
المذيع:
 لماذا دكتور نقول: سبحان ربي العظيم للسجود؟
الدكتور راتب :
 أنت لا تخضع إلا لعظيم، قد يقول لك إنسان تافه: افعل كذا، لا تخضع له.
المذيع:
 عندما تغلب الشهوة القناعة تقع المعاصي
وفي السجود نقول: سبحان ربي الأعلى..
الدكتور راتب :
 ربي الأعلى هو الذي يملك كل مقومات طاعته.
المذيع:
 فتطلب ممن يملك الحاجة أن يعينك عليه.
الدكتور راتب :
 يعينك على تنفيذ هذا الأمر، الأمر أيديولوجياً ليس مقبولاً بل رائعاً جداً، أنت يجب أن تطبقه، فهم الأمر شيء وتطبيقه شيء، قناعتك بالأمر شيء والقوة على طاعته شيء، سيدي الأوامر معروفة عند البشر كلها، يوجد مليار وثمانمئة مليون مسلم يعرفون كل الأوامر، لكن يعصون الله لأن شهوتهم غلبت عليهم، فالعبرة لا أن تتيقن أن هذا أمر، الأمر معروف، هناك أشياء بديهية؛ الصدق، الأمانة، كلها أشياء بديهية، والناس يرتكبون هذه الأخطاء الكبيرة جداً لأن شهوتهم غلبت قناعتهم، فأنت بقناعتك ركوع، بقوتك على فعل الأمر سجود.
المذيع:
 ماذا نفعل غير التسبيح في الركوع؟

ارتباط الخشوع بالاستقامة :

الدكتور راتب :
 تسبيح فقط، أنا أريد الحالة النفسية سيدي، الحركات والسكنات معروفة ليس فيها شك إطلاقاً، ولا يختلف عليه اثنان في الأرض، أريد المشاعر التي ترافق الركوع، هذا الذي تكسبه من الصلاة، أنت بالصلاة تكسب إعلان خضوعك لله، والسجود، والطلب منه المعاصي تحجب عن الله وإن كان الإنسان يصلي
لكن هناك مشكلة أضطر أن أقولها وهي حقيقة مرة، ما دام هناك مخالفة شرعية فهذا المصلي محجوب عن الله، يقدر يصلي، يتوضأ وضوءاً صحيحاً، ويقف قائماً، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويركع، ويسجد، لكن لأنه أكل مالاً حراماً، لأنه ملأ عينه من الحرام، لا يستطيع أن يقبل على الله عز وجل، هذه الحقيقة المرة، تجد وإنها لكبيرة صعبة جداً إلا على الخاشعين، ما دام هناك استقامة إذاً هناك خط ساخن مع الله، لا يوجد استقامة يوجد حجاب، الحجاب شيء مخيف، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

 بائع أقمشة جاءته امرأة تريد قماشاً معيناً، اكتشف أنه لا يوجد عندها خبرة بالأقمشة، أطلعها على عدة أنواع، قالت له: أريد أثقل بكثير، أحضر له ثوباً من الأنواع نفسها من فوق، من السقيفة، قال لها: هذا غير ترتيب، صدقت أخذ الضعف، أذن الظهر تفضل صلي، يذهب إلى الجامع يتوضأ ويصلي، لكن لم تنعقد له صلة مع الله، استغل جهل إنسانة وأخذ منها الضعف وضحك عليها.
المذيع:
 ذنبه يحجبه عن الله عز وجل.

 

الذنوب حجاب بين العبد و ربه :

الدكتور راتب :
 هذه هي، الذنوب تحجبك عن الله، ما دام هناك خطأ مقصود أو غير مقصود، لكن المقصود أقوى، أصعب بكثير، مادام هناك خطأ فالإنسان محجوب عن الله مهما فعل، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

 تخلق مشكلة بين شخصين، تفرق بين زوجين، بين شريكين، تخبب عبداً على مولاه، تخبب زوجة على زوجها، وأنت مرتاح، وأنت تصلي، لا، لا يمكن أن يسمح لك أن تتصل به في هذه الحالة، ما الصلاة؟ الصلاة أنت تقف بين يدي خالق السماوات والأرض، الله عز وجل إن قلت شيئاً يسمعك، هذه واحدة، إن تحركت يراك، وإن أضمرت شيئاً يعلم، بالكلام يسمح، بالحركة يرى، بإضمار الشيء يعلم، الله عز وجل أنت أمامه لا يوجد حجاب يمنعك عنه، فأنت حينما تتصل بالله والله أقول لك كلمة عندما يأتي إنسان جاهل ببضاعة معينة وتستغل جهله أنت عند الله محجوب، تقول له: هذا قماش أجنبي، يصدقك، بالعكس تأتي بشريط ذهبي بالمكواة كتب عليه: صنع في إنكلترا، هو وطني وسيئ جداً، أنت تستطيع أن تغش لكن:

(( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 من غش ليس منا..
المذيع:
 يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((أَعْطُوا كُلَّ سُورَةٍ حَظَّهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))

[أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن أَبِي الْعَالِيَةِ]

 كيف نفهم هذا الحديث؟

 

ضرورة إعطاء كل آية تقرأ في الصلاة نصيبها من الركوع و السجود :

الدكتور راتب :
 كيف نفهم هذا الحديث؟ أنت حينما سألت الله في الصلاة وقلت له: اهدنا الصراط المستقيم، جاء الجواب:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 هذا هو الجواب الإلهي لسؤالك له: اهدنا الصراط المستقيم..
المذيع:
 تقصد حينما قرأنا بعد الفاتحة يأتينا مثل هذا الأمر.
الدكتور راتب :
 أي آية تقرؤها بعد الفاتحة هي إجابة من الله لك أنك سألتنا الصراط المستقيم افعل كذا، الآيات التي تقرؤها بعد الفاتحة هي الرد الإلهي لسؤالك له اهدنا الصراط المستقيم، وهذا الصراط صراط الذين أنعمت عليهم من الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا، والضالون ما عرفوا وانحرفوا، الله أكبر الآن سبحان ربي العظيم هذا أمر خالق الأكوان، أمر العظيم، أمر العليم، أمر الحكيم، أمر من بيده كل شيء، أمر من أنت في قبضته، في ثانية واحدة تصبح الحياة جحيماً لا تطاق، هذا الركوع، الآن قد تفتقر إلى الله، يا رب أنا قد لا أستطيع تنفيذ أمرك أعنِّ على طاعتك، أعطني إرادة قوية، أعطني رؤية صحيحة، أبعدني عن رفقاء السوء الذين يغرون بالمعصية، أنت في السجود تسأل الله العون، فلذلك بكل آية تقرأ في الصلاة بعد الفاتحة حظها أي نصيبها من الركوع ومن السجود.
المذيع:
 أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((عليكَ بِكَثْرةِ السُّجُودِ، فإِنَّك لَنْ تَسْجُد للَّهِ سجْدةً إلاَّ رفَعكَ اللَّهُ بِهَا دَرجَةً، وحطَّ عنْكَ بِهَا خَطِيئَةً))

[مسلم عن ثوبان]

 لماذا هذه القيمة الكبيرة للسجود؟

 

القيمة الكبيرة للسجود :

الدكتور راتب :
 اسجد شكرا لله على نعمه كي تستمر النعم
لأنك أنت حينما تدخل امتحاناً مصيرياً متعلقاً بمصيرك، وتكتب كتابة جيدة جداً، يجب إذا أتيت إلى البيت أن تبدأ بسجود الشكر لله عز وجل، هذه من السنة، هذه غير الصلاة، حققت هدفاً كبيراً، كان هناك عدو يتربص بك صرفه الله عنك، أديت امتحان ونجحت فيه، ربحت في تجارتك، أثبت إمكاناتك العالية في وظيفتك، أي إنجاز تحققه يحتاج إلى سجود شكر لله، لست مطالباً أن تسجد في الطريق أمام الناس ولا في أي مكان آخر، في بيتك ادخل إلى البيت واسجد فوراً سجود الشكر لله عز وجل، معنى هذا أنت شاكر النعمة، إذا شكرتها استمرت، فإن تجاهلتها انقطعت.
المذيع:
 أخبرتنا دكتور أننا في الركوع نسبح الله عز وجل الآن في السجود هو ليس فقط للتسبيح، المسلم بإمكانه أن يدعو أن يطلب من الله عز وجل؟

الافتقار إلى الله :

الدكتور راتب :
 سيدي:

(( من لا يدعُني أغضب عليه ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 إن الله يحب من عبده أن يسأله كل حاجته، بل إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، أحياناً تضيع شيئاً يا رب اجمعني به، هذا الدعاء اجمعني به، تجد الله يهديك إليه فوراً، أي الله ينتظرنا، ينتظر أن نقول له: يا رب، ليستجيب لنا، ليطمئننا، حياتنا كلها أخطار، أحياناً مسافر يا ترى الطائرة سليمة؟ لعلها تسقط؟ إنسان ركب سيارة أيضاً يوجد مشكلة، لعل حادثاً يدمره نهائياً، فالإنسان عندما يقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي - دقق في الدعاء- والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك يا ذا القوة المتين. هذا هو الافتقار إلى الله، قمم البشر افتقروا فانتصروا في بدر، وهم هم قمم البشر اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، لذلك قيل: لو أن المسلمين انتصروا في أحد وقد نهوا عن جمع الغنائم سقطت طاعة رسول الله، ولو أنهم في حنين انتصروا لسقط التوحيد، أشركوا أنفسهم مع الله، نحن كثر لن نهزم، فهناك حكمة بالغة، والمؤمن بطولته أن يفهم على الله حكمته، والله قال:

﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾

[ سورة الأنبياء:79]

 لذلك:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن: 11]

 يهدي قلبه إلى حكمة المصيبة..
المذيع:
 دكتور أيضاً لو قرأنا في حديث:

((عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: "سلني"، قلت: مرافقتك في الجنة قال: "أو غير ذلك؟" قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود))

[ النسائي عن أبي سلمة]

 هل كثرة السجود هي بوابة من بوابات رفقة النبي صلى الله عليه وسلم؟

 

كثرة السجود بوابة من بوابات رفقة النبي صلى الله عليه وسلم :

الدكتور راتب :
 أنا أتصور بالضبط أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

 تتلافى الخسارة إن فعلت عملا نافعا
الفلاح أكبر بكثير من النجاح، قد تنجح في كسب المال، قد ينجح الإنسان في تسلم منصب رفيع، هذا نجاح، قد ينجح في شراء بيت رائع، بسعر معقول، هذا نجاح، أما الفلاح فأن تحقق الهدف من وجودك في الدنيا، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 فالإنسان إذا أفلح عرف سرّ وجوده وغاية وجوده، الدنيا قصيرة وتمضي، الموت ماذا يفعل؟ ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، ينهي ذكاء الذكي، ينهي غباء الغبي، قطع كل شيء، ماذا بعد الموت؟ ما فعلته قبل الموت ينفعك بعد الموت، لذلك قال تعالى:

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر : 1-2 ]

 أي مضي الزمن وحده يستهلكك، إلا في حالة واحدة تتلافى الخسارة، أن تفعل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد مضي الزمن، هذا العمل الصالح..
المذيع:
 لماذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((...فأعني على نفسك بكثرة السجود))

[ النسائي عن أبي سلمة]

 لماذا لم يكن بكثرة الصلاة؟

 

الأعمال الصالحة ثمن الجنة :

الدكتور راتب :
 لأن الحقيقة الإنسان سنة الله في خلقه، الإنسان لا ينجو إلا بعمل صالح..

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 العمل الصالح ثمن الجنة
الله عز وجل عمل للجنة ثمناً، ثمنها العمل الصالح، والأصح من ذلك مفتاحها، مثلاً قصر ثمنه ألف مليون فرضاً، ثمن مفتاحه دينار، فكل عملك الصالح هو الحقيقة ثمن مفتاح الجنة، لأن: ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم، فاقتسام الجنة بعملك أما هي فرحمة الله.
المذيع:
 لكن لماذا نص الحديث على السجود؟
الدكتور راتب :
 عفواً عندنا خط بياني ذروة خط الاتصال بالله هو السجود، وفي أوائله من تحت يوجد صعود، أما ذروة القرب من الله فالسجود:

(( أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

المذيع:
 إلى المشاركات؛ أبو عمر تفضل...
 ما العلاقة بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وما العلاقة بين إن تنصروا الله ينصركم وكلمة آتوا الزكاة؟ وأنا بخبرتي إذا ما حلت مشكلة المال بيننا تبقى المشاكل قائمة.
تفضلي أم نزار..
 سؤالي عن الصلاة، ما كنت أصلي ومقرة بالصلاة وأعترف بها لكن كنت أهملها؟

 

التوبة تجبّ ما قبلها :

الدكتور راتب :
 أنا أطمئنك أن التوبة تجب ما قبلها، ما عليك شيء ما دام هناك توبة نصوح، هذا الذي يقول لك: تصلي عن ثلاثين سنة للوراء هذا بعيد عن فهم الدين بعمق، وإلا هناك مشكلة كبيرة جداً لا أحد يتوب.
المذيع:
 سؤال أبو عمر الربط بين الصلاة والزكاة وبين نصر الله.

الدين شقان كبيران؛ شق مع الله وشق مع الخلق :

الدكتور راتب :
 قال تعالى:

المسلم يصلي لله ويحسن إلى خلقه

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾

[سورة مريم:31]

 أوصاني بشيئين، مع الله عبادة ومع الخلق إحساناً، بالصلاة إلى السماء، والزكاة الإحسان إلى الخلق، الدين شقان كبيران؛ شق مع الله، وشق مع الخلق، أنت في البيت في الليل تتصل بالله، أما بعملك التجاري فتحسن للخلق، سعر معتدل، بضاعة جيدة، لا يوجد كذب، لا يوجد تدليس، أنت لك علاقتان كبيرتان علاقة مع الخالق اتصال بالله، وعلاقة مع المخلوق، لذلك يا رب لا يحلو الليل إلا بالاتصال بك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك.
المذيع:
 هل الأصل في السجود أن يطيل المسلم أم لا يطيل؟

 

اختلاف صلاة المسلم و سجوده إن كان منفرداً أو مع جماعة :

الدكتور راتب :
 هو بين أن يقرأ سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات وبين أن يطيل.
المذيع:
 إذا كان جماعة وكان إماماً.
الدكتور راتب :
 لا، كان إذا صلى في جماعة أخف الناس صلاة في تمام صلى الله عليه وسلم، هذا الكمال النبوي..
المذيع:
 وإذا كان منفرداً.
الدكتور راتب :
 قد يقرأ ثلاث سور كبيرة في القرآن الكريم.
المذيع:
 ويطيل السجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرته:

(( أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 الرابط بين السجود وبين الدعاء؟

 

الرابط بين السجود و الدعاء :

الدكتور راتب :
 أنت تقول: سبحان ربي الأعلى، بعد أن خضعت لأمره في الركوع الآن أنت تشعر بافتقار إلى دعمه، وتأييدك بالقوة أن تطبق هذا الأمر، فلذلك أنت بالركوع خضعت لأمره أيديولوجياً، بالسجود تطلب يا رب أعنِّ على طاعتك، أعنِّ على غض البصر، أعنِّ على قول الصدق..
المذيع:
 هل السجود من المواطن التي يجاب بها الدعاء؟
الدكتور راتب :
 طبعاً إجابة الدعاء واضحة جداً، أنا أقول من سابع المستحيلات أن تسأله صادقاً ثم لا يجيبك.
المذيع:
 ماذا ندعو الله في سجودنا؟

أهم الأدعية عند السجود :

الدكتور راتب :
 احفظ لي إيماني يا رب، وفق أولادي.
المذيع:
 وحوائج الدنيا.
الدكتور راتب :
 لا يوجد مانع، لكن ليس تفاصيل مثلاً يا ربي غسالة كذا هذه ليس واردة، أما أشياء عامة فلا مشكلة أبداً.
المذيع:
 حتى لو كانت الشيء شخصياً ولا أملك ثمنه ألا أسأل ربي عنه؟
الدكتور راتب :
 لا يوجد مشكلة أبداً.

(( من لا يدعُني أغضب عليه ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

المذيع:
 هل هناك أوقات لا يستحب السجود فيها دكتور؟

 

أوقات لا يستحب فيها السجود :

الدكتور راتب :
 شروق الشمس وغروبها فقط.
المذيع:
 هل يمكن أن يسجد المسلم لطلب الدعاء من الله دون صلاة؟
الدكتور راتب :
 ممكن.
المذيع:
 ما أنواع الشكر؟ سجود الشكر، سجود الصلاة...

أنواع الشكر :

الدكتور راتب :
 الشكر والطلب، الدعاء أكثر شيء.
المذيع:
 ويمكن أن يكون هذا دون صلاة أن تسجد فقط لهذه الحاجة.
الدكتور راتب :
 نعم إما عقب نجاح أو قبل مصيبة، عقب نجاح شكر، قبل مصيبة التجاء إلى الله..
المذيع:
 هل من نصيحة ليكون المسلم خاشعاً في سجوده؟

كيفية الخشوع في السجود :

الدكتور راتب :
 أساس الخشوع الاستقامة، الإنسان إن لم يستقم على أمر الله لن يخشع بدعاzه ولا بسجوده.
المذيع:
 نسأل الله أن يستجيب دعاءنا ونختم حلقتنا بدعاء.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، وبهذا مستمعينا تنتهي حلقتنا لهذا اليوم، وكان حديثنا فيها عن الركوع والسجود، دمتم في رعاية الله، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018