بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 081 - وكذلك ننجي المؤمنين.


2016-11-27

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِ وسلم، وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة حياكم الله شيخنا وأستاذنا الكريم.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 أهلاً وسهلاً دكتورنا الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

 حياكم الله مستمعينا الكرام، وحلقتنا لهذا اليوم هي تحت عنوان:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة:88]

 فيها يدور نقشانا دكتورنا الكريم، هل لنا دكتور قبل أن نتطرق لهذه التأملات وفي ظلال هذه الآية الكريمة أن نشرح القصة؟ ما الذي حصل مع ذا النون؟ ومن هو ذا النون؟ حتى يكون التوضيح من البداية بمعنى مكتمل من مستمعينا الكرام.

 

القصة الهادفة حقيقة مع البرهان عليها :

الدكتور راتب :
 لكن قبل كل شيء: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.
 قبل كل شيء القصة في القرآن لها عبرة بليغة، الإنسان بشر، له عقل، وله قلب، وله شهوة، وله حرية اختيار، فحينما تأتي القصة كي تتجاوب مع فهم الإنسان، ورغبته في الحياة القصة تتجاوب مع شخصية الإنسان، لذلك لو سألت طفلاً حضر درساً دينياً لمدة ساعة، ماذا فهمت من هذا الدرس؟ القصة فقط يذكرها، تبقى عالقة.

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾

[ سورة يوسف:111]

 القصة تنقل الفكرة بشكل أسرع
لماذا؟ القصة الهادفة حقيقة مع البرهان عليها، قد تلقي آلاف المحاضرات، عن قضية مجردة، قضية فكرية، قضية إيديولوجية، أما حينما تلقي على الناس قصة دون أن يشعروا فهموا الحقيقة، وفهموا البرهان عليها، وتفاعلوا مع شخصياتها، فالقصة الفنية بأساسها، أنا اختصاصي أدب عربي، بالإضافة إلى الدين، فلها بداية عقدة ونهاية، ولها شخصيات، لها بيئة مكانية وزمانية، لها حوار، لها بداية وعقدة وحل، فيها خصائص، إلا أن قصة القرآن لها اختصاص آخر، هي حقيقة مع البرهان عليها، كأن الله عز وجل حينما قلل من تفاصيلها، لو جاءت التفاصيل كثيرة جداً لظننا قصة وقعت ولم تقع مرة ثانية.
حينما تضعف التفاصيل، الجزئيات في القصة، أراد الله منها القانون، وأوضح شاهد على ذلك:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

 سيدنا يونس، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

 نقطة، انتهت القصة، قلبت إلى قانون، قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 أيها المؤمن المعاصر، عندك مشكلة أسرية، عندك مشكلة مالية، مشكلة صحية، ما حجم هذه المشكلة أمام أن تجد نفسك في بطن حوت؟ النجاة صفر، في بطن حوت.

 

أروع ما في الآية التالية أن الله قلب القصة إلى قانون :

 أخي الكريم؛ الوجبة المتوسطة للحوت، عندنا في حياتنا طعامٌ صباحاً وظهراً ومساءً، أحياناً في وجبة ضحى، بين الوجبتين، يسموها العوام عصرونية، عصرونيته أربعة طن الحوت الأزرق مئة وخمسين طناً وزنه، خمسين طن لحم، وخمسين طن دهن، وخمسين طن عظام، بإمكان الإنسان أن يقف قائماً في فم الحوت. إنسان وجد نفسه في بطن حوت:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

 أعطاك الله حماس للدعاء، هل هناك من مصيبة أكبر في عالم البشر أن تجد نفسك ليلاً، وفي ظلمة أعماق البحر، وفي ظلمة بطن الحوت؟

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

 أحياناً إنسان مضطر للهاتف يقول لك: لا يوجد تغطية، التغى الهاتف، في مكان لا يوجد تغطية التغى الهاتف.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

 الرد الإلهي:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة التوبة: 88 ]

 أروع ما في الآية، أن الله قلب القصة إلى قانون:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88 ]

المذيع:
 ما هو القانون هنا دكتور؟

 

الفرق الضالة تجمعها ثلاث حقائق :

الدكتور راتب :
 القانون بتعريفه الدقيق العلمي: علاقة بين متغيرين، مقطوع بها، تطابق الواقع، عليها دليل، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الطب، الهندسة، أي علم أرضي هدفه القانون، أي علم أرضي، القانون لأنه معادلة، علاقة مقطوع بها، ما معنى مقطوع بها؟ عندنا وهم عبارة عن ثلاثين بالمئة، الشك خمسون بالمئة، الظن سبعون بالمئة، غلبة الظن خمسة وتسعون بالمئة، القطع مئة بالمئة، هذا دين الله، كل حقائقه قطعية، لا يوجد وهم، لا يوجد شك، لا يوجد تردد.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 وضع الله قانون نجاة المؤمن
فالقانون علاقة بين متغيرين، مثلاً؛ التمدد علاقته بالحرارة، التمدد تغير حجم والحرارة تغير حرارة، علاقة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، ليس فيها ظن.
المذيع:
 هل هذا القانون، بهذه التفاصيل ينطبق على هذه القصة في القرآن الكريم؟
الدكتور راتب :
 بالتدريج، تطابق الواقع، عليها دليل، لولا الدليل لكان تقليداً، والله عز وجل لم يقبل اعتقاد المؤمن تقليداً، ماذا قال:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد: 19]

 ما قال: فقل، العقيدة لا تقبل تقليداً، لماذا؟ لو قبلت العقيدة تقليداً لكان أتباع كل الفرق الضالة قلدوهم، الفرق الضالة.
 بالمناسبة، والشيء بالشيء يذكر: الفرق الضالة على تعددها، وعلى كثرتها، وعلى تشعبها تجمعها ثلاث حقائق، أولاً: تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، ونزعة عدوانية، أية فرقة ضالة تؤله الأشخاص، تخفف التكاليف، ذات نزعة عدواينة. إذاً:

﴿ نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

حق التلاوة أن تقرأ القرآن قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة :

 أنا أهيب بأخوتي المستمعين، ما الذي يمنع إذا خصصت مصحفاً خاصاً لبعض الملاحظات، تقرأ صفحة وجدت فيها أمراً، هذا الأمر ضع تحته خطاً أخضر مثلاً، فيها نهي خط أحمر، أنت عملت دراسة للقرآن، هذه أوامر، هذه نواهي، هذه مواعظ، هذه قصص، هذه الدراسة الممنهجة، الدراسة مع التفاصيل، لذلك ماذا قال تعالى:

حق التلاوة أن تكون صحيحة

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 120]

 ما حق التلاوة؟ قال: أن تقرأ القرآن قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة، علق سيدنا عمر، قال: "تعلموا العربية فإنها من الدين".
 مرة كنت في ماليزيا، وكان معنا عالم بالقرآن، قارئ كبير، وقف أمامه طالب ماليزي، أراد أن يثني عليه، يوجد بيتا شعر يحفظهما هذا الماليزي، قال:

أُحب الصَالِحينَ ولستَ منهم
***

 هو البيت:

أُحب الصَالِحينَ ولستُ منهم  لعلي أن أنال به الشفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي  ولو كنا سواء في البضاعة
***

 بين لستُ منهم تواضع، أما لستَ منهم هجاء. انظر إلى دقة اللغة حركة واحدة، قلبت المعنى رأساً على عقب.
 إذاً هذا القرآن من لوازم فهمه تعلم العربية، وسيدنا عمر يقول: "تعلموا العربية فإنها من الدين"
مثلاً؛

أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخ لَه كَساعٍ إلى الهَيجا بِغَيرِ سِلاحِ
***

 هنا ما إعراب أخاك أخاك؟ منصوب على فعل محذوف، تقديره الزم أخاك.

أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخ لَه  كَساعٍ إلى الهَيجا بِغَيرِ سِلاحِ
***

 الآن نقول في تحذير كمان، أخاك أخاك، إن من لا أخ له كساعٍ إلى الهيجة بكل سلاح، بين كلمة بغير وكلمة بكل قلبت المعنى، كان هناك إغراء فأصبح تحذيراً، لغتنا دقيقة جداً. مثلاً بَر؛ يابسة، بُر قمح، بِر إحسان، حركة قلبت المعنى رأساً على عقب، لذلك: "تعلموا العربية فإنها من الدين".

 

قصة سيدنا يونس مع قومه درس للدعاة جميعاً :

 طالب جامعي، في أستاذ كبير من أساتذتنا، قال له الطالب: يا سيدي هذه اللغة معقدة، قال له: لِمَ يا بني؟ قال له: ثاء، وسين، فأجابه هذا الأستاذ الكبير: أتحب أن يقال لك: كثر الله أمثالك، أم كسر الله أمسالك، المسافة كبيرة جداً، الأولى دعاء لي، الثاني دعاء عليّ.
 لذلك أنا أتمنى تمني أن يتواجد في البيت كتاب لغة، كتاب مبسط، لغتنا لغة القرآن، لغة حياتنا، لغة نبينا، ينبغي أن نعتني بها.
 "تعلموا العربية فإنها من الدين"
المذيع:
 نعود دكتورنا الكريم، أشرت إلى أن هذه الآية الكريمة في النهاية سطرت قانوناً من الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

الدكتور راتب :
 فما الذي يمنع أن أكتشف قوانين القرآن؟ أنا لي كتاب القوانين، قوانين القرآن، يسحب مجاناً من الموقع، بكبسة زر، يأتي إليك حوالي خمسين قانوناً، قوانين القرآن، عندي في الموقع أربعة وستون كتاباً تسحب مجاناً.
المذيع:
 وعلنا نخصص حلقة كاملة لها لأهمية هذه القضية دكتور. أعود مع فضيلتكم دكتور إلى أصل الحكاية والقصة، ذا النون المخاطب هنا هو سيدنا يونس عليه السلام، صحيح دكتور، ماالذي حصل؟
الدكتور راتب :
 حصل أنه دعاهم إلى الله فلم يستجيبوا، فضجر، وهذا درس للدعاة جميعاً، ينبغي ألا تضجر، ينبغي أن تحتمل الصد، تحتمل التكذيب، تحتمل السخرية.
المذيع:
 ضجر من قومه، فماذا حصل؟

 

وجوب التحرك في الدين نحو الخالق عبادةً ونحو المخلوق إحساناً :

الدكتور راتب :
 لم يستجيبوا له فتركهم، لذلك الله عز وجل لقنه درساً بليغاً، عاد إليهم وآمنوا معه، القصة حقيقة هي دعوة لنا جميعاً كدعاة، طبعاً الدعاة يتحركون وفق هدى الله عز وجل، الأنبياء معصومون، أما الدعاة غير معصومين، لكن من أجل ألا يخطئوا ذكر ربنا هاتين القصتين.
 سيدنا سليمان:

﴿ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾

[ سورة ص: 31]

 تتحرك نحو الخالق بعبادته
أي انشغاله بإعداد الخيل للجهاد ضيع علاقته بربه، يوجد في الحياة شيئان كبيران الإحسان للخلق، والصلة بالخالق، ماذا قال سيدنا عيسى؟

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 31]

 هناك حركة نحو الخالق بعبادته إتصالاً، مناجاةً، تألقاً، إستنارة، محبةً، حركة نحو الخالق، والحركة الثانية نحو الخلق، إحساناً.

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ ﴾

[ سورة مريم: 31]

 تعبداً.

﴿ والزَّكَاةِ ﴾

[ سورة مريم: 31]

 وإحسان للخلق، هذا كلام مضغوط جداً، الدين فيه حركتان، تصلي لله، تصوم، تحج، تزكي، مثلاً تعامل زوجتك بالإحسان هذه معاملة، تعامل صديقك بالإحسان، ابنك، جارك، زميلك، عندنا حركة نحو الخالق عبادةً، ونحو المخلوق إحساناً.

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 31]

المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، كلام طيب، إذاً حينما ضجر سيدنا يونس عليه السلام من قومه كان له هذا الموقف من الله سبحانه وتعالى.

 

كلمة التوحيد لا إله إلا الله هي أصل الدين :

الدكتور راتب :

﴿ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴾

[ سورة الصافات: 140 ـ 141]

المذيع:
 ما المقصود بهذا؟ نفسرها دكتورنا.
الدكتور راتب :
 هو ركب في السفينة، بعد أن أبقَ من قومه، لم يتحمل صدودهم وإعراضهم، هناك أنبياء هدَوا واحداً فقط، فركب هذه السفينة وبدأ بالتجديف ثم وقع في الماء وغرق.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

المذيع:

﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ﴾

[ سورة الصافات: 142]

الدكتور راتب :
 نعم:

﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾

[ سورة الصافات: 142]

المذيع:
 هذه رسالة ربانية، فحافظ على حياته الحوت.
الدكتور راتب :
 أبداً، فدخل إلى فم الحوت، التقمه الحوت، لقمة صار بفمه، قلت لك: يمكن أن يقف إنسان داخل فمه.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

 في بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل:

﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 هذه كلمة التوحيد، هي أصل الدين، لا معطي ولا مانع، ولا رافع ولا خافض، ولا معز ولا مذل إلا الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
المذيع:

﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 حينما أتبع التوحيد بالاعتراف.

 

معنى التوحيد :

الدكتور راتب :
 حينما ظلم نفسه، ظلم نفسه حينما لم يصبر على قومه، فكأن هذه رسالة إلى الدعاة.
المذيع:
 التوحيد أن تقبل قضاء الله
أن يصبروا على أقوامهم، والرسالة الثانية من هذه العبارة تحديداً دكتور، لم تكن عبارة أخرى يبدأ شقها بتوحيد الله عز وجل، ثم باعتراف الإنسان بما قدم.

﴿ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

الدكتور راتب :

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 عميقة جداً، الله هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، ما من حركة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
 فأنا أنصح الأخ المستمع إذا وجد في حياته شيئاً لا يعجبه فليراجع نفسه.

(( عبادي...... فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 لا تقل حظي تعيس، والقدر قلب لي ظهر المجن، والقدر سخر مني، كله كلام لا معنى له إطلاقاً، هذا نوع من الشرك، العباد ينبغي أن يؤمنوا أن ما يأتيهم من حوادث من فعل الله عز وجل هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، حديثنا مسترسل تحت عنوان:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 وهو جزء من قول الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

 دكتورنا الكريم، كنا نتأمل في هذه الآية الكريمة، وفي ظلالها، وفي معانيها العمقية والكثيرة، والمهمة في حياة كل فرد منا.
 الدرس الأول من هذه القصة دكتور ألا يقنط الإنسان ممن حوله أثناء الدعوة.

 

على الداعية أن يصبر على قومه حتى يستجيبوا له :

الدكتور راتب :
 أبداً أن يصبر.
المذيع:
 ويصبر عليهم، الدرس الثاني دكتور: إذا وقع في نفسه أنه ليس أهل لهذه المهمة، وقصر في هذه المهمة أن يعود إلى الله سبحانه وتعالى مسبحاً، ومستغفراً هنا دكتور كان التسبيح وكان الاستغفار:

﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 اعتراف الإنسان.
الدكتور راتب :
 بأنه ظلم نفسه، حينما لم يحتمل عدم استجابة قومه له.

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 لماذا استجاب له الله؟ هل تحمل دعوة هذه العبارة:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ]

﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾

[ سورة الصافات: 147 ـ 148]

 هذه النتيجة.
المذيع:
 من سورة الصافات تتمة القصة.

 

الآية التالية تبعث الأمل في نفس كل مؤمن مهما تكن المصيبة كبيرة :

الدكتور راتب :
 نعم.
المذيع:

﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

 وعد الله بأن ينجي المؤمن يعطي أملا في النفوس
أي غم أصاب سيدنا يونس؟
الدكتور راتب :
 طبعاً هو الهم، في الحقيقة أحياناً يكون الغم أشد من الهم، يقول نحن في غمة، في مأساة، فهذا الإنسان لم يحتمل هيجان البحر، فساهم معهم في تجديف القارب ووقع في الماء فالتقمه الحوت، الآن هو في بطن الحوت:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 أنا أتحدى أن يكون هناك مصيبة على سطح الأرض في الخمس قارات تفوق هذه المصيبة، مع ذلك نجاه الله عز وجل وقال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 الآية تبعث الأمل في نفس كل مستمع، مهما تكن المصيبة كبيرة.
المذيع:
 وهذا قانون قرآني دكتور.
الدكتور راتب :
 قانون قرآني:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 والله إرادته مطلقة، كن فيكون، زل فيزول.
المذيع:
 من ماذا ينجينا الله سبحانه وتعالى يا دكتور؟

 

جميع مصائب الأرض هي رسالات من الله لعباده :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن الإنسان قَبِل حمل الأمانة فإذا قصر في حملها فإن الله عز وجل كان من الممكن أن يتركه، إلى أن يستحق النار، للتقريب: أب جاء ابنه آخر العام وعلاماته كلها صفر، ممكن أن يهمله، فيترك المدرسة ويصبح عاملاً، فلا يكفيه دخل ولا عنده بيت، ولا مركبة، ولا زوجة، ولا أولاد، فعندما كبر، وجد أباه ما حاسبه، فنقم على أبيه، فقال له: يا أبي لماذا حينما آثرت ألا أدرس لم تؤدبنِي؟ اسمع الآية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص: 47]

 المصائب رسالات الله للناس
إذاً المصيبة رسالة من الله، أهم كلمة بهذا اللقاء، جميع مصائب الأرض هي رسالات من الله لعباده، يقول لك إنسان: عملنا عرضاً عسكرياً، وكان العرض العسكري رسالة إلى الدولة المجاورة، هذا مصطلح سياسي، الرسالة لا يشترط أن تكون كلاماً، عملنا عرضاً عسكرياً وعرضنا كل الأسلحة، الصواريخ، المدرعات، كله عرضناه، فهذا الدرس عرض رسالة إلى الدولة المجاورة التي تهددنا.
المذيع:
 وهذه رسالة من الله لنا.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 العطاء منك، المنع منك، الرفعة منك، الانخفاض منك، كل ما تتصور من الله عز وجل هذا توحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، هو الانبعاث للشيء منك.
المذيع:
 دكتور، إذا وقع الإنسان في كرب أو في غم وضاقت عليه الدنيا فنادى كما قال ذا النون:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87 ـ 88]

 يفترض أن يتحقق فيه الوعد الإلهي أن يستجيب الله لنا، وأن ينجينا من هذا الغم.

 

الدعاء هو العبادة بل هو مخ العبادة :

الدكتور راتب :
 أحياناً تقتضي حكمة الله ألا يستجيب لدعائه، يؤجر على دعائه ولا يستجاب له، لو فرضنا للتقريب: طلب ابن من أبيه أن يعطيه ثمن سكين ليجرح أخاه بها، مثلاً، لا يستجيب له، الدعاء عند الله كبير.

﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة الفرقان: 77]

 ما معنى الدعاء؟ أنت مؤمن بوجوده، هذه واحدة، مؤمن بقدرته هذه الثانية، مؤمن بمحبته هذه الثالثة، بوجوده، وقدرته، ومحبته، واستجابته، فالدعاء هو العبادة بل هو مخ العبادة.

﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة الفرقان: 77]

 معناها الدعاء قمة العبادة، مخ العبادة، الدعاء هو العبادة.

((لِيَسْألْ أَحَدكمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حتى يسأَلَ شِسْعَ نَعلِهِ، إذَا انْقَطَعَ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

المذيع:
 دكتورنا الكريم، من أراد معونة الله سبحانه وتعالى هل هذه العبارة:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 87]

 أم هي فكرة أن توحد الله وتوكل أمرك إليه.
الدكتور راتب :
 هنا في تفصيل الموقف الكامل الإيماني من المؤمن حينما تلم به مصيبة أن يأخذ بالأسباب لإزالتها، وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
 إنسان يمشي بسيارته فانقطع، يا رب ليس لي غيرك، لا تكفي، ارفع الغطاء وانظر أين الخطأ؟ ابحث عن السبب حتى تجده وعندئذٍ تنطلق بالسيارة، فهذا الدعاء وحده من دون عمل. لذلك سيدنا عمر، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟
 جمل أجرب، يا رب اشفِ هذا الجمل، قال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟

 

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة :

 أنا سألخص الأمر، وأكبر درس تحتاجه الأمة الإسلامية أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 يرفع البلاء بالتوبة
الواقع أن الغرب أخذ بالأسباب وألهها واعتمد عليها ونسي الله فوقع في الشرك، والمسلمون لم يأخذوا بها فوقعوا في المعصية، فهناك من وقع في الشرك بتأليه الأسباب، وبين من وقع في المعصية بترك الأخذ بالأسباب.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، كلمات طيبة الله يفتح عليكم ويجزيكم الخير.
 هل المطلوب من الإنسان الذي يقع في كرب مثل هذا دكتور، أن يعيد أمره إلى الله فيحمده، ويسبحه، ويعترف بوحدانيته وقدرته أن لا إله إلا أنت، أي لا معطي إلا أنت، ولا نافع إلا أنت، هل هذا سبب وقوع المصيبة بنا حتى نعود إلى الله سبحانه وتعالى من جديد؟
الدكتور راتب :
 يوجد عندنا نص قطعي في الصحاح.

(( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.
 مرة ثانية: ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر.
المذيع:
 ونعم بالله رب العالمين. اسمح لنا دكتورنا الكريم أن نرحب باتصالات مستمعينا الكرام. ونبدأ معك أخي معتز باتصالنا الأول، وبمشاركتك معنا على الهواء في حلقتنا لليوم مع فضيلة العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي، تفضل يا معتز.

 

أسئلة المستمعين :

المستمع:
 أولاً جزاكم الله خيراً على هذه الجمعة، وهذا الدرس، شيخنا أنا كنت أريد أن أسأل على موضوع أن الإنسان مثلاً، أنا كشاب كنت أقع بمشكلة، وللأمانة أحسست بأني أنا المظلوم في هذه المشكلة، وقلت في نفسي يجب أن أنساها فقط لأجل ربنا، وعن جد تحس أنك نويت أن تنسى كل شي، مع أنني مظلوم، ولكني قررت أن أنسى كل هذه الأشياء وأستشعر بمعية رب العالمين، ولكن والله أحياناً يجلس المرء مع نفسه ويتذكر هذا الشي، يتذكر المشكلة، وتحاوره نفسه بهذا الشيء، أنا لا أريد ذلك، تحس حالك نفسك تزين، تحس أن الأمور تعود إلى ذاكرتك للعند فيك.
المذيع:
 الفكرة واضحة يا معتز، وتسمع إلى إجابة الدكتور.
الدكتور راتب :
 قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى: 39]

 إن أصابك البغي ينبغي أن تنتصر، لأن الإيمان عزيز.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40]

 لا يوجد ما يسمى سأكيل له الصاع عشرة، ليست واردة إطلاقاً.

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40]

 أي عفو؟ إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه.

 

الإنسان لا يحاسب على الوساوس الداخلية وإنما يحاسب على العمل وحده :

 عفواً، سائق سيارة عمومي يمشي بسرعة عادية جداً، فجأة يظهر طفل أمامه، ليس له أي ذنب إطلاقاً، لكن القانون مع والد الطفل، هذا الأب شاهد طفله وهو يركض أمام السيارة، والسائق لم يفعل شيئاً، خرج فجأة فوقع على السيارة، إذا أراد الأب أن يحاسب هذا السائق فقد ظلمه، لأن ابنه هو المخطئ.

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾

[ سورة الشورى: 40]

 تحاسب على العمل وليس الخواطر
غلب على ظنه أن عفوه عن هذا السائق يصلح السائق، لا زال حتى الآن أناس عندهم مروءة، شاهد ابنه وهو يقفز أمام السيارة، والسائق يمشي بسرعة بطيئة جداً، قال:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 40]

 الله يحاسبه حساباً كبيراً، هذه الآية أصل.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40]

المذيع:
 لو استطاع الإنسان أن يعفو دكتور لكن بقيت في نفسه وسوسة، كيف يقوى على هذه الوساوس الداخلية في صدره؟
الدكتور راتب :
 أولاً، أنا أطمئن أخوتي المستمعين، لا تحاسب على الوساوس الداخلية، ولا على الخواطر، تحاسب على العمل وحده، مهما جاءت وساوس يسمونها بالعقل الباطن، لو أن إنساناً رأى نفسه في المنام يزني، ليس عليه شي.
المذيع:
 لكنها أحياناً تشوش على الإنسان.

 

الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هذا الإحساس يأتيه من ورعه، علامات الورع هكذا، من ورعه قلق على نفسه، أنا أقول: الإنسان إذا قلق على نفسه يتصل بربه عز وجل، الله ينزل عليه السكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء.
المذيع:
 نسأل الله أن يسعدكم، والمستمعين، ونحن معكم. أبو عبد الرحمن باتصال ومشاركة هاتفية جديدة، تفضل.
المستمع:
 السلام عليكم، الله يعطيكم العافية، أسلم عليك وعلى الدكتور، أريد أن أقول للدكتور الله يمسيك بالخير دكتور محمد راتب.
الدكتور راتب :
 أهلاً وسهلاً ومرحباً.
المستمع:
 سيدي أنا وقع عليّ ظلم في دوامي، وقع عليّ ظلم في عملي، في وظيفتي، وأرسلت للمسؤول عنا في الدوام رسالة أنه وقع عليّ ظلم من بعض المسؤولين المباشرين لي، فأنا في المنام شاهدتك أنت دكتور وأنت نازل إلى بيتك، لكنك كنت تنزل إلى بيتك، سامحني أحبك في الله دكتور، وطريق بيتك صعب قليلاً، قلت أنا: الدكتور محمد راتب النابلسي النزول إلى بيته صعب لهذه الدرجة! والمسؤول الذي أنا أرسلت له رسالة أنني وقع عليّ ظلم وجدته جالساً في بيته مرتاحاً وفي مكان عال، فقلت: هذا الرجل يجلس في مكان كهذا والدكتور محمد راتب النابلسي في مشقة عليه، وذاك المسؤول ما استجاب لي، ولا رد لي حقي، لا أعرف كيف؟ وأنا لا زال الظلم واقعاً عليّ حتى الآن.
الدكتور راتب :
 الجواب كلمة وحدة: الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر، فأنت في هذه الحالة ينبغي أن تصبر، حتى يفتح الله عليك.
المذيع:
 هل لكم تعليق على هذه الرؤيا أو المنام، أو قد تكون دكتور أضغاث أحلام؟

جنة الدنيا هي جنة القرب من الله :

الدكتور راتب :
 هو الحقيقة أن الرؤيا دقيقة جداً، هناك أضغاث أحلام، إنسان أكل طعاماً ملحها زائد يرى نفسه أمام شلال، أمامه قوارير ماء باردة، هذه كلها انعكاس لواقع الإنسان، أما الرؤيا التي من الله واضحة وضوح الشمس، الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة، الله عز وجل يرسل للأنبياء سيدنا جبريل، أما المؤمن العادي كيف يُعلِمه الله بشيء؟ برؤيا صادقة.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور. أبو زكريا حياك الله بمشاركة هاتفية جديدة، تفضل.
المستمع:
 السلام عليكم، الله يجزيكم الخير على البرنامج، ونحن نرحب بالدكتور محمد راتب النابلسي.
الدكتور راتب :
 بارك الله بك.
المستمع:
 سؤال لو سمحت لي أريد أن أوجهه للدكتور، بعد أن أنجى الله سبحانه وتعالى سيدنا يونس عليه السلام:

﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾

[ سورة الصافات: 147 ـ 148]

 هل القانون أن ربنا عز وجل بعد الصبر يُمتّع الإنسان؟
الدكتور راتب :
 طبعاً:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46 ]

 جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، مرة ثانية:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 6 ]

 لكن جنة الدنيا هي جنة القرب من الله، أنت مع القوي، مع الجميل، مع الحكيم، مع الرحيم.
المذيع:
 ونعم بالله رب العالمين، الله يفتح عليكم دكتور ويجزيكم الخير، شكراً لك أبو زكريا ولمشاركتك معنا.
 دكتورنا الكريم، أيضاً في حديثنا عن الموضوع، لماذا بداية الآيات أحياناً وُصف فيها سيدنا يونس بذي النون، وأحياناً يونس؟

 

للثمار والنباتات التي ذكرت في القرآن فوائد لا يعلمها إلا الله :

الدكتور راتب :
 للتنويع طبعاً، هناك نقطة يجب أن أقولها لك:

﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴾

[ سورة الصافات: 146 ]

 اليقطين فيه فوائد كثيرة
قرأت مقالاً مطولاً حول اليقطين وفوائده التي لا تحصى، كأنني فهمت أن بعض الثمار والنباتات التي ذكرت في القرآن:

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾

[ سورة التين: 1 ]

 فيها فوائد لا يعلمها إلا الله، فحينما تأتي اسم فاكهة، أو اسم نبات في القرآن، لعل في هذا النبات خير كبير جداً، ككلمة:

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾

[ سورة التين: 1 ]

﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴾

[ سورة الصافات: 146 ]

 والله بحث طويل جداً، وشيء لا يصدق عن اليقطين، فأنا أريد أن ننتبه إلى اسم النباتات التي ذكرها القرآن، لها تميز كبير.
المذيع:
 ونعم بالله رب العالمين، الله يكرمكم يا دكتور. أم مراد تفضلي.
المستمعة:
 السلام عليكم، الله يجزي الدكتور الخير، وله فضل كبير عليّ أنا بالذات، أنا أسمع له من كذا سنة، والفضل لله ومن ثم للدكتور، في أشياء كثيرة تغيرت في حياتي بسبب الدكتور الله يجزيه الخير، ويطول بعمره إن شاء الله.

 

حياتنا خيار بين شرين :

الدكتور راتب :
 بارك الله بك.
المستمع:
 دكتور، أريد أن أسألك هل من علامات الإيمان، أو من الإيمان، أو له تفسير آخر أن يتنازل الإنسان عن حقوقه مقابل أن الله لن يضيعني، أم أن هذه تعتبر ضعف شخصية، أو بمعنى الجبن؟
الدكتور راتب :
 لا، النص الدقيق لسيدنا عمر:
 "ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين، وفرق بينهما، واختار أهونهما"
 نحن حياتنا معظمها خيار بين شرين، فالبطولة أن نعرف الشرين، ونختار أهونهما والخيرين ونختار أعظمهما.
المذيع:
 لكن لو كان بيدها دكتور أن تأخذ حقها من الناس وعفت لله سبحانه وتعالى هل هي مأجورة على ذلك؟
الدكتور راتب :

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 41 ]

 عفواً، لو فرضنا إنسان له مع الثاني ألف، والثاني معسر، فعفا عنه، إذا لم يأته مئة ألف أنا مسؤول.

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 41 ]

المذيع:
 ماذا لو كان عفوك عن الآخر دكتور، يجعله يتمادى في ظلمك ولا يقدرك؟

 

المؤمن من خصائص إيمانه أنه يطمح بما عند الله :

الدكتور راتب :
 لا، إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يجعله يتمادى على حقوق الآخرين ينبغي أن تحاسبه.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى: 39]

 شاب أخذ سيارة والده، ومشى بسرعة عالية جداً، وكاد يعمل حادثاً، هذا لا يجب أن تتساهل معه أبداً.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، ويبارك فيكم إن شاء الله، دكتور في آخر دقيقة معنا في البرنامج ما الرسالة التي حضرتك تنقلها للمستمعين حينما نقرأ قول الله سبحانه وتعالى؟

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

الدكتور راتب :
 هذا الإنسان حينما ينعدم الأمل عنده ينتهي عند الله، المؤمن من خصائص إيمانه أنه يطمح بما عند الله، فلذلك المؤمن بماذا متميز؟ بجنة إلى أبد الآبدين، فإذا ظلم من جهة وكان من الحكمة أن يسامح هذا الذي أخذ حقه، فله عند الله أجر كبير.

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 41 ]

 إذا ملك قال لمدرس: علم ابني فرضاً، بعد أن مضى عشرة دروس قال له: أين الأجرة؟ قال له: حاضر أمرك أستاذ، قال له: أريد على الدرس ألفاً، قال له: هذه عشرة آلاف، لكنه كان ينوي أي الملك أن يعطيه سيارة وبيتاً، للتقريب. فأنت عندما تحتسب أجرك عند الله، الذي عند الله كبير جداً.
المذيع:
 ونعم بالله رب العالمين، نختم لقاءنا بالدعاء ونسأل الله الإجابة.

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسينا ذكرك، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي. وإلى هنا مستمعينا ينتهي لقاؤنا هذا:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 88]

 هو وعد رباني وقانون قرآني.
 سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
 والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018